من حرية التعبير إلى قانون التظاهر السلمي: تضييق الحقوق يبدأ بتغيير الاسم

مقال حول قانون التظاهر السلمي

لم يكن تغيير اسم القانون من “حرية التعبير عن الرأي والتظاهر السلمي” إلى مجرد “قانون التظاهر السلمي” خطوة لغوية عابرة، بل إشارة سياسية وقانونية تحمل أبعادًا خطيرة. فاختزال العنوان إلى “التظاهر” فقط يعني عمليًا شطب البعد الأوسع للحريات العامة: حرية الإعلام، حرية الرأي، حرية النشر، والحق في الوصول إلى المعلومة. هذا التغيير ليس بريئًا، بل يعكس توجهاً نحو تقييد الفضاء العام وحصره في نطاق ضيق يمكن التحكم به، بعيدًا عن النصوص الدستورية التي تكفل حرية التعبير بوصفها حجر الزاوية في أي نظام ديمقراطي.

(القدس العربي، شفق نيوز – آب/أغسطس 2025)

البعد السياسي

هذا التغيير يعكس محاولة السلطة تمرير قانون يضبط الشارع أكثر مما يحميه. فالتظاهر، وإن كان حقاً دستورياً، لا يمكن عزله عن حرية التعبير التي تمنحه المعنى والشرعية. حصر القانون في التظاهر فقط يفرغ الحريات العامة من مضمونها ويحوّلها إلى فعل شكلي خاضع لشروط السلطة التنفيذية.

(alssaa.com – تموز/يوليو 2025)

البعد القانوني

من الناحية القانونية، حذف “حرية التعبير” من نص القانون يفتح الباب أمام سلطات الدولة لتفسير النصوص بشكل ضيق. فالتعابير الفضفاضة مثل “النظام العام” و“الأخلاق” تمنح مجالاً واسعًا للتأويل التعسفي، وهو ما قد يؤدي إلى قمع النقد المشروع وتجريم أصوات الصحافة والمعارضين تحت ذريعة الحفاظ على الاستقرار. الأخطر أن المسودة الحديثة (آب/أغسطس 2025) تتضمن مواد قد تُستخدم لتجريم انتقاد السلطة أو رجال الدين تحت عنوان حماية “الرموز” أو منع “الإساءة للقيم”، وهو ما وصفه ناشطون بأنه محاولة لتكميم الأفواه وتجريم حرية الرأي.

(alshirazi.com, iraqicp.com)

آراء منظمات وشخصيات

  • منظمة العفو الدولية (Amnesty.org – تقرير 2025) اعتبرت أن تمرير القانون بصيغته الحالية “سيقوض الحريات الأساسية ويشرعن القمع بدلاً من حمايته”، وطالبت البرلمان العراقي بعدم المصادقة عليه قبل تعديله.
  • تحالف عشر منظمات غير حكومية (HumanitarianTracker.org – بيان تموز/يوليو 2025) أبدى قلقه من حظر ارتداء الأقنعة خلال التظاهر، مؤكداً أن هذه المادة تعرض حياة المتظاهرين للخطر في بلد شهد اغتيالات وانتهاكات ضد ناشطين.
  • الناشط الحقوقي مصطفى سعدون (alhurra.com – مقابلة آب/أغسطس 2025) رأى أن حذف حرية التعبير من نص القانون “رسالة واضحة بأن السلطة تريد التحكم بالشارع لا تنظيمه”.
  • الصحفية زينب الصفار (DW عربية – تعليق 2025) علّقت بالقول: “التظاهر بلا إعلام حر يواكبه هو نصف حق، وتجريد القانون من حماية التعبير يضعف مناعة المجتمع ضد الاستبداد”.
  • تقارير هيومن رايتس ووتش (HRW.org – تقرير حزيران/يونيو 2025) حذرت مراراً من أن العراق يتجه نحو تضييق مساحات النقد، خصوصاً في ما يتعلق بانتقاد مسؤولين نافذين ورجال دين، وهو ما يتطابق مع مضامين القانون الجديد.

البعد المجتمعي

المجتمع العراقي الذي خبر قمع التظاهرات واعتقال الصحفيين (2019–2022) يدرك أن هذا التغيير ليس مجرد مسألة صياغة. إنه محاولة لتقنين السيطرة على الشارع وتجريد المواطن من أدواته الطبيعية في الدفاع عن نفسه. غياب حرية التعبير عن النص يضعف موقع المواطنين في مواجهة الفساد والاستبداد، ويجعل التظاهر فعلًا معزولًا بلا عمق أو سند إعلامي وحقوقي.

الخلاصة

إن تغيير اسم القانون من “حرية التعبير عن الرأي والتظاهر السلمي” إلى “قانون التظاهر السلمي” ليس خطوة إجرائية، بل إشارة على انزلاق أخطر: إقصاء حرية التعبير من الحماية القانونية المباشرة. الأخطر أن نصوص القانون قد تُستخدم لتجريم انتقاد السلطة ورجال الدين، ما يعني تكريس مناخ تكميم الأفواه بدل فتح فضاء ديمقراطي. هذا التغيير يجب أن يُقرأ بوعي وحذر، وأن يواجه بمطالبة مجتمعية وقانونية بإعادة النص إلى أصله الدستوري الذي يضمن الحرية قبل أي تنظيم للتظاهر.

بقلم: الحقوقي مرتضى

Add a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *