مقدمة:
يشهد وضع مجتمع الميم-عين+ في العراق تعقيداً متزايداً، لا يقتصر على غياب الاعتراف القانوني والحماية، بل يتعداه إلى استغلال النصوص القانونية القائمة وتأثيرات أطراف خارجية في تضييق الخناق على حقوقهم الإنسانية الأساسية. يثير الجدل بشكل خاص التوسع غير المسبوق في تطبيق قوانين تهدف في الأصل إلى سياقات أخرى، ليتم استخدامها لقمع أفراد مجتمع الميم-عين+، وهو ما يمثل تحولاً خطيراً يتجاوز نطاق التعديلات القانونية الروتينية. يسعى هذا التقرير إلى تحليل هذه التطورات من منظور حقوقي، مع الأخذ في الاعتبار السياق الديني والسياسي العراقي وتأثير القوى الإقليمية.
إشكالية الأساس الديني والقانوني:
من اللافت للنظر أن التوسع الحالي في استهداف مجتمع الميم-عين+ يأتي في سياق ديني عراقي يرى تقليدياً أن سلطة فرض العقوبات مقصورة على الحاكم الشرعي المتمثل بالإمام المعصوم، وفقاً لمعتقدات المرجعية الدينية العليا. ومع ذلك، تشير بعض التقارير إلى وجود رجال دين ذوي انتماءات خارجية، خاصة أتباع ولاية الفقيه، قد يمارسون نفوذاً في هذا الاتجاه.
اختراق القانون واستغلال النصوص القائمة:
أصبح واضحاً أن القانون العراقي يعاني من اختراقات وتأثيرات من شخصيات نافذة في السلطة وأطراف خارجية، مما يسهل عملية تكييف النصوص القانونية لخدمة أجندات معينة. يتمثل أحد أبرز مظاهر هذا الاستغلال في محاولة تقييد القانون العام، وهو قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969، من خلال التوسع في تفسير وتطبيق قانون مكافحة البغاء رقم 8 لسنة 1988، مستندين إلى مبدأ “الخاص يقيد العام”.
تحويل قانون مكافحة البغاء: من مكافحة الاستغلال الجنسي إلى قمع الحريات:
يجدر التأكيد على أن قانون مكافحة البغاء رقم 8 لسنة 1988 كان يهدف في الأساس إلى معاقبة أفعال محددة تتعلق بالاستغلال الجنسي والزنا واللواط مقابل المال أو حالات الاغتصاب التي تحمل نتائج خطرة (المادة 5 من القانون). كان هذا القانون بعيداً كل البعد عن التفسيرات والتطبيقات الحالية التي تسعى إلى استخدامه كأداة لقمع أفراد مجتمع الميم-عين+ لمجرد هويتهم أو تعبيرهم عن ذواتهم. إن هذا التوسع في تطبيق القانون يمثل في جوهره خلق قانون جديد بأثر رجعي، بدلاً من مجرد تعديل، ويفرض قيوداً تتعارض بشكل مباشر مع مبادئ حرية الرأي والمعتقد.
الاستناد المثير للجدل إلى مواد معلقة من قانون العقوبات:
تشير التقارير أيضاً إلى استناد السلطات إلى بعض مواد قانون العقوبات (215 و 220) المتعلقة بالأمن العام، والتي تم تعليق العمل بها في فترات سابقة، لتبرير الإجراءات القمعية ضد أفراد ومنظمات وناشطي مجتمع الميم-عين+، باعتبارهم تهديداً للأمن القومي. إن هذا الادعاء لا يعدو كونه محض افتراء، خاصة وأن الدولة، وبشكل استباقي ودون أي نص قانوني صريح، قد اتخذت بالفعل إجراءات رافضة ومقيدة لحريات هؤلاء الأفراد.
تجاهل الخطر الحقيقي: قمع الحريات والتأثيرات الخارجية المتعصبة:
من المفارقات الخطيرة أن التركيز ينصب على قمع مجتمع الميم-عين+ بدعوى الحفاظ على الأمن والقيم، بينما يتم تجاهل الخطر الحقيقي المتمثل في غياب الحريات الأساسية واستمرار فرض قيود على المواطنين، وتأثر قرارات الدولة بآراء خارجية وأخرى داخلية متعصبة. إن هذا التوجه يقوض أسس دولة القانون ويفتح الباب أمام مزيد من الانتهاكات لحقوق الإنسان.
تقارير موثقة :
- هيومن رايتس ووتش: تؤكد تقارير المنظمة على أن التوسع في استخدام قوانين فضفاضة، مثل قانون مكافحة البغاء، لاستهداف مجتمع الميم-عين+، يثير مخاوف جدية بشأن سيادة القانون وحقوق الإنسان في العراق. وتشدد على ضرورة مراجعة هذه التطبيقات وضمان عدم استخدام القوانين لقمع الحريات الأساسية.
- أمنستي إنترناشونال: تعرب المنظمة عن قلقها العميق إزاء التقارير التي تشير إلى تأثير أطراف خارجية في توجيه السياسات والقوانين المتعلقة بمجتمع الميم-عين+ في العراق، مما يقوض استقلالية القرار الوطني ويساهم في تفاقم التمييز.
- منظمات مجتمع مدني عراقية: توثق هذه المنظمات بشكل متزايد حالات استغلال قانون مكافحة البغاء والمواد المتعلقة بالأمن العام لاستهداف أفراد مجتمع الميم-عين+، وتؤكد على أن هذه الإجراءات تتنافى مع مبادئ العدالة وحقوق الإنسان وتخلق بيئة من الخوف وعدم اليقين.
تأثير القنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي :
يستمر دور القنوات الفضائية العراقية ووسائل التواصل الاجتماعي في تأجيج الكراهية والتضليل ضد مجتمع الميم-عين+. ومع التوسع في الاستهداف القانوني، يصبح هذا الخطاب الإعلامي أكثر خطورة، حيث يساهم في تبرير الإجراءات القمعية ويصور أفراد المجتمع كخطر يستحق العقاب. يندر وجود مساحات إعلامية تتيح لهم التعبير عن أنفسهم أو تصحيح المفاهيم الخاطئة، بينما تزدهر المنصات التي تنشر الكراهية والتحريض بدعم ضمني أو صريح من بعض الجهات.
غياب الفرص للتعبير عن الذات ووجهات النظر:
تزداد صعوبة التعبير عن الذات ووجهات النظر بالنسبة لأفراد مجتمع الميم-عين+ في ظل هذه القيود القانونية والإعلامية المتصاعدة. يخشى الأفراد من التبعات القانونية والأمنية لمجرد الإعلان عن هويتهم أو الدفاع عن حقوقهم، مما يزيد من عزلتهم وتهميشهم.
من منظور حقوق الإنسان :
إن التطورات الأخيرة في العراق تمثل انتهاكاً مضاعفاً لحقوق الإنسان. فبالإضافة إلى الحقوق الأساسية التي تم ذكرها سابقاً، فإن استغلال القوانين وتكييفها بشكل تعسفي لاستهداف فئة معينة من المجتمع يقوض مبدأ سيادة القانون ويفتح الباب أمام انتهاكات أخرى. كما أن تأثير الأجندات الخارجية المتعصبة على السياسات الداخلية يمثل تهديداً للحق في تقرير المصير الوطني وحماية حقوق جميع المواطنين.
التوصيات :
- على المستوى القانوني: يجب إجراء مراجعة شاملة للقوانين التي يتم استخدامها لاستهداف مجتمع الميم-عين+، بما في ذلك قانون مكافحة البغاء وقانون العقوبات، لضمان عدم استخدامها بشكل تعسفي أو بما يتعارض مع مبادئ حقوق الإنسان وحرية التعبير.
- على المستوى التشريعي: يجب على البرلمان العراقي سن قوانين واضحة تحظر التمييز على أساس التوجه الجنسي والهوية الجندرية وتوفر الحماية القانونية لأفراد مجتمع الميم-عين+.
- على المستوى القضائي: يجب على القضاء العراقي أن يكون مستقلاً ونزيهاً وأن يرفض تطبيق القوانين بطريقة تنتهك حقوق الإنسان أو تستند إلى تفسيرات تعسفية.
- على المستوى الحكومي: يجب على الحكومة العراقية مقاومة الضغوط الخارجية والداخلية المتعصبة التي تسعى إلى قمع الحريات وحقوق الإنسان، والالتزام بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
- على المستوى الإعلامي: يجب على المنظمات المهنية الصحفية وضع مدونات سلوك تمنع التحريض على الكراهية والتمييز ضد مجتمع الميم-عين+ وتشجع على التغطية الإعلامية المسؤولة والموضوعية.
- على مستوى المجتمع المدني: يجب دعم وتعزيز دور منظمات المجتمع المدني في مراقبة الانتهاكات وتقديم الدعم والمناصرة لأفراد مجتمع الميم-عين+.
خاتمة:
إن الوضع المتفاقم لحقوق مجتمع الميم-عين+ في العراق، والذي يتجلى في استغلال القوانين والتأثيرات الخارجية، يمثل تحدياً خطيراً لمستقبل الحريات وحقوق الإنسان في البلاد. يتطلب التصدي لهذا الوضع إرادة سياسية حقيقية والتزاماً راسخاً بمبادئ العدالة والمساواة وسيادة القانون، بعيداً عن أي تأثيرات خارجية متعصبة أو تفسيرات قانونية تعسفية. إن حماية حقوق جميع المواطنين، بمن فيهم أفراد مجتمع الميم-عين+، هي مسؤولية أساسية تقع على عاتق الدولة والمجتمع العراقي ككل.
كتابة وتحرير : القانوني مرتضى


Add a Comment